مجمع البحوث الاسلامية
130
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وأمّا ما قيل : لو اتّبع الحقّ الّذي جاء به عليه السّلام أهواءهم وانقلب شركا ، لجاء اللّه تعالى بالقيامة ، ولأهلك العالم ولم يؤخّر . ففيه أنّه لا يلائم فرض مجيئه عليه السّلام به ، وكذا ما قيل : لو كان في الواقع إلاهان لا يناسب المقام . وأمّا ما قيل : لو اتّبع الحقّ أهواءهم ، لخرج عن الإلهيّة ، فممّا لا احتمال له أصلا . ( 4 : 426 ) البروسويّ : الّذي كرهوه ، ومن جملته ما جاء به عليه السّلام من القرآن . ( 6 : 95 ) الآلوسيّ : الحقّ الّذي جاء به النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وجعل الاتّباع حقيقيّا ، والإسناد مجازيّا . وقيل : مآل المعنى لو اتّبع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أهواءهم فجاءهم بالشّرك بدل ما أرسل به لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ أي لخرّب اللّه تعالى العالم ، وقامت القيامة لفرط غضبه سبحانه ، وهو فرض محال من تبديله عليه الصّلاة والسّلام ما أرسل به من عنده . وجوّز أن يكون المراد ب ( الحقّ ) : الأمر المطابق للواقع في شأن الألوهيّة ، والاتّباع مجازا عن الموافقة ، أي لو وافق الأمر المطابق للواقع أهواءهم بأن كان الشّرك حقّا ، لفسدت السّماوات والأرض حسبما قرّر في قوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا الأنبياء : 22 ، ولعلّ الكلام عليه اعتراض للإشارة إلى أنّهم كرهوا شيئا لا يمكن خلافه أصلا ، فلا فائدة لهم في هذه الكراهة . واعترض بأنّه لا يناسب المقام ، وفيه بحث ، وكذا ما قيل : إنّ ما يوافق أهواءهم هو الشّرك في الألوهيّة ، لأن قريشا كانوا وثنيّة وهو لا يستلزم الفساد ، والّذي يستلزمه إنّما هو الشّرك في الرّبوبيّة كما تزعمه الثّنويّة ، وهم لم يكونوا كذلك ، كما ينبئ عنه قوله تعالى : لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ . لقمان : 25 . وجوّز أن يكون المعنى : لو وافق الحقّ مطلقا أهواءهم ، لخرجت السّماوات والأرض عن الصّلاح والانتظام بالكلّيّة ، والكلّ استطراد لتعظيم شأن ( الحقّ ) مطلقا ، بأنّ السّماوات والأرض ما قامت ولا من فيهنّ إلّا به ، ولا يخلو عن حسن . وقيل : المراد ب ( الحقّ ) : هو اللّه تعالى . ( 18 : 52 ) القاسميّ : أي ولو كان ما كرهوه من الحقّ الّذي هو التّوحيد والعدل ، المبعوث بهما الرّسول صلوات اللّه عليه ، موافقا لأهوائهم المتفرّقة في الباطل ، النّاشئة من نفوسهم الظّالمة المظلمة ، لفسد نظام الكون ، لانعدام العدل الّذي قامت به السّماوات والأرض ، والتّوحيد الّذي به قوامهما ، فلزم فساد الكون ، لأنّ مناط النّظام ليس إلّا ذلك . وفيه من تنويه شأن الحقّ ، والتّنبيه على سموّ مكانه ، ما لا يخفى . ( 12 : 4409 ) ابن عاشور : و ( الحقّ ) : هنا هو الحقّ المتقدّم في قوله : بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ المؤمنون : 70 ، وهو الشّيء الموافق للوجود الواقعيّ ولحقائق الأشياء . وعلم من قوله : وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ أنّ كراهة أكثرهم للحقّ ناشئة عن كون الحقّ